يحيي بن حمزة العلوي اليمني

126

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

عليها عن أن تكون الزوجة أمّا ، والعبد ابنا وأن مثل هذا يكون محالا ، وهو أن يجمع بين الزوجية والأمومة وبين النبوّة والعبودية . ومن هذا قوله تعالى : ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ [ الأحزاب : 4 ] فقد علم أن القلب لا يكون إلا في الجوف ولكن الغرض المبالغة في الإنكار بأن يكون للإنسان قلبان ، أكّد ذلك بقوله في جوفه ، ومن هذا قوله تعالى : فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ [ النحل : 26 ] فإن المعلوم من حال السقف أنه لا يكون إلا من فوق ، وإنما الغرض المبالغة في الترهيب والتخويف والإنكار والرد كما أشار إليه : بقوله قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ [ النحل : 26 ] يعنى بالخراب والهدم فخر عليهم السقف من فوقهم ، تشديدا في الأمر ، وتهويلا لهم ، وإعظاما لحاله وهكذا قوله تعالى في سورة الحاقة نَفْخَةٌ واحِدَةٌ ( 13 ) [ الحاقة : 13 ] فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً ( 14 ) [ الحاقة : 14 ] فإن التاء مؤذنة بالوحدة ، ولكنه أتى بالصفة على جهة المبالغة بالإطناب في فخامة الأمر وعظمه ، فأما قوله تعالى : وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى ( 20 ) [ النجم : 20 ] فليس هذا من باب الإطناب بالتأكيد ، وإنما هو من أجل مراعاة سجع الآي ، فإنها من أول السورة على الألف ، فلأجل هذا قال « الثالثة الأخرى » مراعاة لما ذكرناه . الوجه الثاني فيما يرد على جهة المجاز في الإطناب ، وهذا كقوله تعالى : فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ( 46 ) [ الحج : 46 ] فالفائدة بذكر الصدور هاهنا وإن كانت القلوب حاصلة في الصدور على جهة الإطناب بذكر المجاز ، وبيانه هو أنه لما علم وتحقق أنّ العمى على جهة الحقيقة إنما يكون في البصر ، وهو أن تصاب الحدقة بما يذهب نورها ويزيله ، واستعماله في القلوب إنما يكون على جهة التجوز بالتشبيه ، فلما أريد ما هو على خلاف المتعارف من نسبة العمى إلى القلوب ونفيه عن الأبصار ، لا جرم احتاج الأمر فيه إلى زيادة تصوير وتعريف ، ليتقرر أن مكان العمى هو القلوب ، لا الأبصار ، ولو قال فإنها لا تعمى الأبصار ولكنها تعمى الأبصار التي في الصدور ، لكان مفتقرا إلى ذكر الصدور ، كافتقار القلوب ، لكن القلوب أدخل في الحاجة ، ولهذا وردت الآية عليه لأنه قد يتجوز بلفظة الأبصار في العقول ، ولا يتجوز بالقلوب عن العقول ، فلأجل هذا كان ذكر قوله في الصدور عقيب القلوب أحسن من ذكرها عقيب الأبصار لما ذكرناه ، وهذا من لطائف علم البيان ومحاسنه .